وترجل ” علوان ” عنوانه الامل (2)

المرحوم بإذن الله علوان جيكات
المرحوم بإذن الله علوان جيكات

بقلم : جانتي نورالدين ابزاخ

كانت الساعة تقترب من السابعة في اليوم السابع من ديسمبر البارد في صبيحة الانتخابات حيث نهضت من فراشي لمعرفة نتائج انتخابات مجلس الادارة فكان لا بد ان اتصل باحد الاصدقاء المتابعين ليخبرني واوشكت بان اتصل بعلوان جيكات ولكن قلت ربما هو نائم الان بعد ليلة طويلة قضاها في متابعة النتائج حيث كان يحرص على ذلك . ولعملي ان الصديق عمر اديب من محترفي السهر فكان هو الخيار المتاح في هذه الساعة المبكرة فاتصلت معه للاستعلام عن نتائج الانتخابات وابلغني عندها ان علوان انتقل الى الرفيق الاعلى واعجز عن وصف مشاعري في تلك اللحظة ولكن ببساطة كانت الانكار فالقهر … قلت لعمر بالامس كان في اروقة الجمعية يتبادل اطراف الحديث مع الجميع ويبادلونه السلام ……….. ولكن لم نعلم انها كانت تحيات الوداع . قبل مغادرتي الى المنزل ليلة الانتخابات وفي وسط الجموع وقع نظري على “علوان ” واقفا في حديقة الجمعية وبدا بصحة جيدة وشامخا ورجوليا كما عهدناه دائما ولم اعلم انها نظرة الوداع الاخيرة ، فالعلوان على الرغم من مرضه الذي رافقه فترة طويلة ما انحنى يوما لا بجسده ولا بنفسه ولا بعزته ، وشخصيا كنت من اشد المعجبين بقيافته وخطواته الواثقة واذكر ان احد الاصدقاء من غير الشراكسة ومن زملاء علوان في مدرسة وادي السير قال لي ” لو قدر لعلوان ان يمضي في الجيش كان سيكون نعم القائد فهو صاحب بأس ويمتلك من سرعة البديهة وحكمة مراوغة المواقف الكثير ” وقد اصاب في وصفه فهذا ما وجدته شخصيا . للوهلة الاولى عندما تتعرف الى علوان قد تظنه الشخص الاكثر جدية في هذا الكون ولكن ان فتح لك علوان نافذة قلبه وهذا بالامر الصعب فسرعان ما ستجد ان هذا الطود الشامخ الذي لا يبتسم يمتلك حس فكاهة وسخرية تدل على ذكاء شديد ، فالسخرية مرحلة متقدمة من مراحل الذكاء الاجتماعي والسياسي . من الصعوبة ان تقترب من علوان ان هو لم يرد ذلك ، فهو كان رحمه الله دقيق الملاحظة يعتني بادق التفاصيل وتلك ميزة اكتسبتها منه فخلال جلسات قليلة في مجلس النارتيين كان علوان كثير البحث عن مزيا اي عضو نقترحه للانضمام الى المجلس وغالبا ما كان يؤخذ برأيه فهو مخزن للمعلومات والبيانات ولكن تظهر عند الحاجة اليها ولكن للحق اقول فقد كان موضوعيا ولم يوجه نقدا لشخص يوما بعينه وكان يبحث في الموضوع ويا ليت الجميع يتعلم ذلك . خلال حفل تقديم التهاني للادارة الجديدة التقيت بصديقي غازي رمضان لبزو وتبادلنا اطراف الحديث والاسى الذي انتابنا برحيل علوان ، وللعلم خضت مع علوان ضد غازي معارك شرسة بسبب الحراك السياسي واختلفنا معه كثيرا ولكن ذلك لم يقطع حبل المودة وصلة الدم بين غازي وعلوان فكان الصراع يدور حول المواقف فلم تكن الامور شخصية مهما بلغت حدة النقاشات والبيانات التي نخطها ضد الحراك وكأنها صليات رصاص ، فهذا هو علوان لم تكن له خلافات شخصية مع احد وانما خلافات حول مواقف وموضوعات ، فما افسد اختلاف الراي مودة بينه وبين احد ، وفي مرحلة سابقة قبل سنوات كنت انا هذا الاحد . واعود الى سخرية علوان وحس الفكاهة الذي يتمتع به ، ففي احدى المرات قلت له انني اسبح بشكل شبه يومي فضحك وروى لي طرفة حيث اصيب وعدد من الضباط بمرض جلدي الزمه البيت لمدة شهر كامل جراء سباحته في بركة ورحمه الله قال لي بالحرف الواحد ” كانت فرصة عرفنا شو معنى ………… ” وضحك ، فعلى الرغم مما كان يصيبه من امراض لم يتذمر يوما وحتى اخر ايامه كان يحرص على حضور جلسات المجلس العشائري وكان في جعبته الكثير للمجلس ولكنه غادر قبل ان يحقق ما اراد . ” سكر هلأ انا بطلبك ، حرام اخسرك ، انا عندي مكالمات مجانية كثيرة ” اغلب اصدقاء علوان سمعوا منه تلك الجملة في كل اتصال معه ، كان كريما طيب النفس وان بدا لك قاسيا فقلبه قلب طفل كله رحمة ورأ فة ، واليوم اشفق على حيوانه الاليف الذي يربيه وما يزال في منزله على فراق صديقه علوان الذي كان دائم الاهتمام به بعد ان وجده على قارعة الطريق فكان علوان الطيب يذهب به الى عيادات البيطرة حتى انه مرة ذهب الى مكة مول خصيصا ليشتري له سلسلة تقيه من الحشرات ، ولا اعتقد انه ذهب يوما الى مول لامر يخصه شخصيا ، وهذا ما لا يعلمه الكثير عن قلب علوان الرحيم ، كان قلبه ضعيفا ولكنه امتلك من الرحمة والحب اضعاف ما نمتلك . اعتاد علوان على التردد على مدينة الحسين الطبية والانتظار للحصول على حزمة كبيرة من الادوية ولم يكن يتذمر من ذلك بل يقوم به بسعادة فما شكى يوما من مرضه ومن طول الانتظار وما كان ليشعر احدا بذلك الا المقربين منه ، وكل يوم تقضيه مع علوان تكتشف شيئا جديدا وتتعلم منه الكثير . شخصيا اعتقد انني امتلك سرعة بديهة وحكمة لا بأس بها ولكن صدقا عندما تعرفت الى علوان اكتشفت ان ما امتلكه ما هو الا قليل جدا فكان علوان يذهلني بارائه المختصرة جدا والصائبة وكان غالبا ما يصححني وكنت اتقبل منه ذلك بصدر رحب لانني اعلم اي معدن من الرجال هو . وقبل فترة قريبة تحدث معي بخصوص موضوع كتبته عن عطوة عشائرية تتعلق بالفقيد الشاب نارت شابسوغ رحمه الله واوضح لي عددا من الامور حول الجاهات والعطوات وما الى ذلك فكان دقيقا ويهتم بادق التفاصيل ولا ينطق بشيئ الا بعد ان يتأكد منه . امتلك علوان شبكة كبيرة من العلاقات على مستويات عليا ولكنه لم يفاخر بذلك يوما ولم يكن من هواة الاستعراض واعلم ان رئيس الوزراء الاسبق عون الخصاونة احد المقربين منه وتربطه به علاقة مميزة جدا وغيره من شخصيات سياسية ووجوه عشائرية طالما حدثني عنها وعلى الصعيد الشركسي فهو صديق الجميع ، فحتى وان لم تتفق معه لا يسعك الا ان تحترمه وتقدره . كان علوان كتوما جدا على الرغم من معرفته ببواطن امور كثيرة وكان يعمل بصمت شديد ولا يصرح بعمله قبل ان يفرغ منه ، فعندما كان يتعرض المجلس العشائري لنيران صديقة كان علوان يشعر باستياء ويقول “جماعتنا ما بعرفو شو بعمل المجلس واحنا ما بنقدر نحكي كل شي ” وهو على حق فالمجلس يتعامل مع قضايا ذات خصوصية ولا يجب التصريح بها فعمل المجلس يختلف عن عمل الجمعية الشركسية ، فالجمعية تتعامل مع امور عامة ومنجزات اما المجلس فيتعامل مع قضايا على درجة عالية من الخصوصية والسرية ، وهذا ما كان يزعج الراحل علوان عندما تزداد شدة النيران على المجلس . كان رحمه الله ايضا ساعيا للخير واصلاح ذات البين بصفته الشخصية ايضا فما التجأ اليه احد الا وكان يجد بابه مفتوحا مرحبا به يعمل ما يستطيع لما فيه الخير . قبل وفاته بايام قليلة تحدث الي حول موضوع الشهيد الشركسي الذي كان مطروحا قبل عام واكثر وقال لي ” سنعيد احياء الموضوع ” ووعدته بانني رهن اشارته ساستخدم اتصالاتي مع السلطة الفلسطينية للبحث في ملفات حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) لمعرفة ضريح الشهيد الشركسي ونقل رفاته الى مسقط رأسه في وادي السير ، وقصة الشهيد طويلة بيني وبين علوان ولكن كان هذا اخر مشروعاتنا المشتركة واتفقنا ان نبدأ الاتصالات في الربيع المقبل ، رحمك الله يا علوان فقد سقطت اخر ورقة في كتاب حياتك في خريف هذا العام . اما المشروع الكبير الذي لم احققه مع علوان فهو كتابة مذكرات الضابط موسى جيكات حيث كان يحدثني دائما عن سيرة حياته وحيث انني من المهتمين بشؤون السياسة وما لتلك الحقبة من خصوصية فقد كان حلم كتابة مذكرات الراحل موسى جيكات من اهم الانجازات التي اسعى اليها ولكن للاسف فعلمت من علوان ان تفاصيل مذكرات الراحل موسى جيكات قد ضاعت خلال فترة سابقة وكانت تزخر بادق تفاصيل حكاية الضباط الاحرار وتلك الفترة الغنية من تاريخ الاردن التي لا يعرفها الا القليل من الشباب ، وسمعت منه الكثير من الاحاديث عن لقاءات الراحل موسى جيكات بعبد الناصر وعن تفاصيل تلك الحقبة ولكن ايضا غادر علوان … وقبل شهور وجدت كتاب ” حين تلاشت العرب ” وهو جزء من مذكرات تلك الحقبة ووعدت علوان ان احضر له نسخة مطبوعة ولكن لم اوفق بذلك واكتفينا بالنسخة الالكترونية . الحديث عن الضباط الاحرار مع الراحل علوان كان لذيذا وغنيا لكل مهتم بتلك المرحلة التاريخية من مسيرة الدولة الاردنية والغالبية تعتقد ان هذا التنظيم كان ضد الدولة والحكم ولكنه كان تنظيما وطنيا ولمن يريد الاستزادة ليقرا ” حين تلاشت العرب ” …… او ليجلس مع الاستاذ جانتي يونس ( ابو نارت ) اطال الله في عمره . رحل علوان وترك ذكريات كثيرة في وجدان كل واحد من اصدقائه ومعارفه واقاربه ، ولكن بكل تأكيد سيبقى اسم علوان جيكات في قلوبنا ندعو له بالرحمة ونستذكر مواقفه الرجولية دائما ، لقد ترجلت يا علوان مبكرا ، لك الرحمة وما عند الله خير وابقى . وليقرأ كل من مر منكم من هنا الفاتحة للمرحوم علوان جيكات واموات المسلمين والدعاء لهم . في جنات الخلد يا ابا الوليد الملتقى بإذن الله ……..

شاهد أيضاً

العين ، نشمي ، فارس ، علاقات ، الشركسي ، قردن ، سمير

النشمي الشركسي

بقلم : عدن داودية قد تكون المره الأولى التي أفكر فيها أن أكتب عن شخص ...