الدكتور علي حجازي: شاهدٌ على عمّان .. وشريك في «معجزة» جراحة القلب الأردنية

المصدر : جريدة الرآي

صورة
ملك التل – هل يمكن العثورعلى سياسي أردني واحد لديه الجرأة أو المزاج أو قدرة التحكّم بلسانه بحيث يكتفي بالحديث «بعيداً عن السياسة»وفي هذا الوقت بالذات؟ نقصد في فصل «الربيع العربي « الذي أصبح فيه كل شيء سياسة، وسياسة تعوم في فائض الشك ونكهات الريبة ومحفزات رفع الصوت.
 في السنوات الماضية وحتى فترة غير بعيدة ،كان الحديث «بعيداً عن السياسة «مغرياً وممتعاً للسياسيين المحترفين. فما يعرفونه ويجهله الشارع، هو أكثر بكثير مما يودّون الخوض فيه. الآن تغير الوضع واختلطت بعض الاشارات الحمراء بالصفراء بالخضراء.. حديث السياسي «بعيداً فعلاً عن السياسة» بات وكأنه تهمة بالغياب عن الصورة أو انعدام الموقف أو شبهة بجفاف الذاكرة .
ذوات سبق وتحدثوا «بعيداً عن السياسة « وكانوا ممتعين في سردهم الهادئ، اختلفت نبرة الكثيرين منهم هذه المرّة. حديثهم أضحى أكثر إثارة بالمواقف وأثرى بالتفاصيل التي وإن كان عمرها أكثر من خمسين سنة إلا أنها تأتي موصولة بالذي نراه الآن ويفاجئنا .
الحكي «هذه المرة « له ميزة أخرى. فهو يكشف أن العديد من  رجالات الدولة الذين لم نكن نرى منهم سوى صفحة التجهم  واليباس، هم بعد التقاعد أصحاب بديهة رائقة وتسعفهم النكتة عندما تحرجهم الأسئلة.
عندما يؤرخون للطب في الشرق الأوسط الحديث، فإن سبعينيات القرن الماضي ستقف شاهدة على ما يصفه أحد روادها «اللواء الطبيب المتقاعد د .علي حجازي «  بأنها فترة المعجزة الأردنية».  فيها  استطاعت نخبة من المحاربين على جبهة الخدمات الإنسانية أن يجعلوا من هذا الوطن  مركز ريادة لجراحة القلب ثم زراعة الأعضاء ، محققين بذلك أحلاماً كانت تراودهم ويتبناها الراحل الملك الحسين  بن طلال –طيب الله ثراه-  كانت فتوحاً علاجية على مستوى المنطقة، ترتّب عليها أن أصبحت عمّان والمدينة الطبية مركز استقطاب لصناعة تنموية عززت موارد الاقتصاد الوطني بما أصبح يعرف بالسياحة العلاجية .
ست وثلاثون سنة انقضت منذ حرب 67 التي حفرت في قلوب الجيل الذي عاشها مواجع عميقة لم تندمل. فبالاضافة لانتكاسة الزخم القومي الذي كان يملأ قلوب وعقول الشباب آنذاك، ومنهم طلبة الجامعات  الذين أعادهم الأسى إلى بلدانهم ليشاركوا في الحرب كلّ في تخصصه، فان من لم يستشهد في تلك الحرب ومعركة الكرامة بعدها، فقد خرج بجروح فقدان بعض الأعزاء، كما حصل للدكتور حجازي الذي فجع بفقدان ثلاثة من زملاء الدراسة الجامعية في تركيا.
 من يتذكر ان شارع الأمير محمد في عمّان الغربية هو بالأساس اسمه شارع وادي السير؟! د. حجازي لديه في هذا الخصوص ذكريات شخصية من طفولة أمضاها  بين العائلات الشركسية واحتفظ منها بخزين غني من الذكريات الجميلة والأصدقاء،  مع مفردات لغوية ما زال يستخدم بعضها. وحين يصدر كتابه المنتظر الذي استخدم فيه حرفة الكتابة التي مارسها لسنوات في الصحف اليومية، فان ما سيورده اللواء الطبيب،  سيكون ضرورياً للأجيال التي لم تحظ حتى الآن بتوثيق حقيقي لهذه الجوانب، المغيبة، في زحمة انشغال الناس بالقضايا السياسية ومعاشهم اليومي. 
لعمان في ذاكرة ووجدان اللواء الطبيب المتقاعد الدكتور علي حجازي مساحة واسعة تختلط فيها كل مشاعر الزهو الأنيس الوفي. فيها ولد وتربى ..  بيتهم  كان بشارع وادي السير وهو ما يعرف الآن بشارع الأمير محمد والذي يمتد من أول طلوع جبل عمّان حتى بداية وادي صقره وكان غالبية سكان هذا الحي في تلك الفترة من الشركس وقد تألف معهم بطريقة عائلية فاقتبس الكثير من عاداتهم التي لازمته حتى هذه الأيام .
جيران الحي الذي عاش فيه  كانوا كالأخوة تربطهم علاقات حميمة يذكر منهم  سيف الين مراد وإخوانه وأبنائه منصور وناصر، كذالك كان يسكن بالقرب من منزلهم فواز باشا وماقت وأهله وكذالك يونس هاكوز وجمال وعادل رمضان وحسين وتحسين باك فتعلم قليلا من اللغة الشركسية التي كانت متداولة في الحي، وأيضا عائلة الشيخ محمد بدران والد رئيس الوزراء الأسبق مضر والدكتورعدنان وأسامة وأيضا الشيخ احمد بلان والد الطيار عز الدين وكان من الأصدقاء المقربين وفي الذاكرة ايضا نعمان شقمع ومحمود جمال وخالد الطيب والشهيد الطيار موفق بدر السلطي والشهيد عقمف رضا اللذان استشهدا في سن العشرينيات.
طفولتي كانت سعيدة جدا عشتها واستمتعت بمراحلها كأبناء جيلي. ومعا كنا نذهب إلى المدرسة العبدلية في أول طلعة جبل عمان وكانت من أشهر مدارس عمّان حيث درس فيها معظم رجالات الأردن لاحقا وما زلت اذكر اساتذة في نظرنا كانوا من العمالقة منهم مدير المدرسة سليمان عطور صاحب الشخصية التربوية العظيمة وكذالك الأساتذة محمود المغربي ونصوح القادوري وداود تفاحة وضيف الله .. هؤلاء وغيرهم مما غاب عن الذاكرة كانوا قدوتنا بالعلم والتعلم..  نحترمهم احترامنا لآبائنا.
أما صديقي الطيار الشهيد موفق بدر السلطي شهيد الشموع فكانت تربطني به علاقات عائلية قوية وكان من انبل الناس الذين عرفتهم في حياتي فكر بدراسة الطب لكنه غير رأيه والتحق بسلاح الجو لأن الله تعالى اختار له ان يكون شهيدا للوطن وقصته خرافية لا تصدق.
 ما هي؟
ما حصل معه شرف للوطن والانسان لا بد وان يبقى في ذاكرة الأجيال.. كان وزملائه انه قد تمكنوا بطائرات هوكر هنترالصغيرة التصدي لأسراب من طائرات الميراج الإسرائيلية واستطاعوا اسقاط  طائرتان للعدو إلى أن سقطت طائرته بعد أن حاصرته خمس طائرات إسرائيلية بينما كان يقوم بتأمين الحماية لزملائه ليمكنهم من الانسحاب بدون خسائر كبيرة.
عودة الى المدرسة العبدلية من تذكر من زملائك فيها؟
كثر منهم من وصل لمواقع عامة سياسية أو اقتصادية او مهنية في البال الآن  منذر حدادين وكان من المميزين جداً، وأيضاً سامي قموه، وموفق بدر السلطي الذي كان في المدرسة الهاشمية والتقينا به ثانية في كلية الحسين
حيث انتقلت اليها من مدرسة رغدان عام 1952 وكان على أيامنا المترك وبعد تخرجي من المترك أكملت امتحان فحص المعلمين الأدنى – الفرع العلمي وتخرجت عام 1958.
كنت مميزاً ؟
لا أدعي التميز في مراحل دراستي الأولى لكنني كنت من المجتهدين في المدرسة وحصلت على عدة فرص منها فرصة لدراسة العلوم كبعثة إلى أمريكا ولكن بتأثير الأصدقاء الذين سبقونا بالتخرج التحقت بكلية طب في استانبول وتخرجت منها في بداية عام 1966 وبعد تخرجي حالفني الحظ وحصلت على بعثة جامعية في أنقرة لإكمال الاختصاص في الجراحة.
 البداية ؟
من حرب الـ 67 وكانت النقلة حيث  بدأت معالم حياتي تتبلور. التحقت في المستشفى الجامعي في أنقرة إلى عام 1967 حاملا معه هزيمة تدمي القلب .. كنت حينها قد انتقل إلى السنة الثانية في الاختصاص لكن ما أصابني من إحباط  كبير وانهيار المارد القومي الذي كنت احمله بداخلي في تلك الفترة التي نشأنا فيها ونحن نستمع إلى صوت العرب والمذيع احمد سعيد. قررت التوقف عن المتابعة وعدت فورا إلى الأردن.
ومن اجل الوطن وجدت نفسي على أبواب القيادة العامة والتحقت بالجيش في شهر تموز من العام 67 وكنت في تلك الأيام أتمنى لو أعطوني بندقية وأرسلوني إلى الحدود وتدريجيا تعرفت على حقائق الحياة بصورة أفضل وأشمل خاصة بعد دراسة تاريخ الحروب والأمم فوجدت أن الجهاد ليس بالضرورة أن يكون بحمل سلاح.. خدمة الوطن لها وجوه متعددة والطبيب  جندي في معركة الحياة ايضاً.
 وبدأت المعاناة؟
في الجانب الإنساني من حياتي بان أفقد ثلاثة من زملاء الدراسة قد استشهدوا في حرب حزيران وهم: الطبيب نورس اليعقوب والشهيد الطبيب صيبا الهرزي والشهيد الطبيب مصطفى زكريا آلمني فقدانهم جدا وكنت أتمنى لو اتسع المجال للحديث عنهم لما  كانوا يحملون من صفات مميزة ومتميزة لا يراها الآخرين إلا بعد استشهادهم.
 تمنيت الشهادة؟
نعم.. من قلبي كما قلت تمنيت لو كنت جندي في المعركة ولكن قدر الله لي جهاد مماثل في سبيل الله والوطن وقمت بواجبي كما وأنني على ظهر دبابة.
استراحة
 سمعت من شقيقتك د. عائشة انك تقرض الشعر وكاتب.. من أين لك الحس الأدبي؟
نعم.. أكتب الشعر، وسابقا كنت كاتب عامود في الصحف بصورة مستمرة، أعلق على الأحداث، وقريبا ان شاء الله سيخرج الى النور كتاب عن جراحة القلب في الوطن العربي وتطورها في الأردن، ولن يخلوا كتابي من مذكرات ما زالت في ذاكرتي منذ الطفولة والمرحلة التي عشتها وأبناء جيلي تتعلق بالوطن والأوطان بصورة عامة.
وتفكر بديوان شعر؟
قد يحصل ذلك، لدي قصائد من مواكبتي للأحداث أحتفظ بها ربما أجمعها يوما بديوان شعر ان شاء الله لكنني لم أقرر بعد.
 بمن تأثرت؟
استطيع القول ان أهلي تقريباً جميعهم يمتلكون الحس الأدبي، منهم شقيقتي عائشة حفظها الله وهي كاتبة سابقة في صحيفة الرأي.
 وابناؤك.. شعراء أم أطباء؟
اثنان من أبنائي درسا الهندسة في أمريكا  وهما فارس وفراس، وضياء طبيب تخرج من الجامعة الأردنية ويعمل حاليا في أمريكا.

شاهد أيضاً

phs

مدرسة الامير حمزة بن الحسين PHS

المدرسة تاريخ وحاضر و مستقبل مدرسة الأمير حمزة بن الحسين الثانوية الخاصة المختلطة، مدرسة غير ...