تمثيل الأقليات في الحكومات الأردنية


المصدر : جريدة الرأي


 المحامي الدكتور نوفان العجارمة – على اثر تشكيل حكومة دولة الدكتور عبد الله النسور الثانية انبرى بعض الكتاب و المحليين إلى القول بان تشكيل الحكومة خالف عرفا دستوريا مستقرا في الأردن، كونها لم تضم في تشكيلها أي من أبناء الشركس و الشيشان باعتبارهم أقلية لابد من المحافظة على تمثيلها في كافة الحكومات .


 لن أقف في هذا المقال عند العرف الدستوري مفهوما وتطبيقا، بل سوف أتناول مفهوم الأقلية المتعارف عليه دوليا ، وبيان فيما إذا كان ينطبق على أخوتنا بالدين(الشركس و الشيشان) و إخوتنا بالدم (المسيحيين).


 أولاً : من حيث موقف المشرع الدستوري الأردني : ذكر المشرع الدستوري الأردني مصطلح الأقليات لأول مرة في القانون الأساسي لسنة 1928في المادة (25) منه عند الحديث عن انتخاب مجلس النواب( التشريعي) وقد جاءت المادة بالقول (يتألف المجلس التشريعي من : ممثلين منتخبين طبقا لقانون الانتخاب الذي ينبغي أن يراعى فيه التمثيل العادل للأقليات)، وقد أعاد المشرع النص على هذا الحكم في المادة(33) من الدستور لسنة 1947 بالقول ((.. يتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب ويتألف مجلس النواب من ممثلين منتخبين طبقا لقانون الانتخابات الذي ينبغي أن يراعي فيه التمثيل العادل للأقليات ..))، ولكن موقف المشرع الدستوري تغير في عام 1952 حيث اسقط عبارة (مراعاة التمثيل العادل للأقليات…)) من المادة (67) و التي تتحدث عن انتخاب مجلس النواب .


 ثانياً : من حيث موقف الفقه الدستوري من مفهوم الأقلية : أن اصطلاح الأقلية لدى فقهاء القانون الدستوري ينصرف إلى الأحزاب السياسية التي لم تنل أغلبية المقاعد النيابية التي تؤهلها دستورياً لتشكيل الحكومة سواء حصلت على بعض المقاعد أم لم تحصل و تهدف الأقلية السياسية دائما الوصول إلى السلطة . وعليه يظهر الفرق واضحاً بين الأقلية السياسية و الأقلية الدينية أو العرفية، من حيث الرابطة الهدف الذي يجمعهم.


 ثالثاً : من حيث موقف القانون الدولي من مفهوم الأقلية: اختلف فقه القانون الدولي حول المقصود بالأقلية، وظهرت ثلاثة اتجاهات مختلفة وهي: 1. الاتجاه العددي: يحدد هذا الاتجاه الأقلية بعدد أفرادها، وهو الاتجاه الذي تبنته اللجنة الفرعية للقانون الدولي بشأن الأقليات والتمييز العنصري، والمقصود بالأقليات:₍ مجموعة أصغر عدداً من باقي شعب الدولة أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الدين أو اللغة تكون في وضع غير مسيطر₎.وعليه يستبعد من دائرة الأقلية الأقليات التي تكون في وضع مسيطر في الدولة كالأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا التي كانت تسيطر على الأغلبية السوداء من السكان الأصليين وتضطهدها. 2. الاتجاه الموضوعي: ينطلق أنصار هذا الاتجاه من منطلق التماير والتباين بين أفراد شعب الدولة من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة. فينصرف اصطلاح الأقلية إلى أية طائفة من البشر المنتمين إلى جنسية دولة بعينها، متى تميزوا عن أغلبية المواطنين المكونين لعنصر السكان في دولة معينة من حيث العنصر أو الدين أو اللغة. وهو الاتجاه الذي تبنته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 1935 بشأن مدارس الأقليات في أسبانيا. 3.الاتجاه الشخصي: يعتمد أنصار هذا الاتجاه في تحديدهم لمفهوم الأقلية على عنصر شخصي بحت مبني على الإرادة والمشاعر ومفاده أن منشأ وجود الأقليات عندما توجد الرغبة من أعضائها في صيانة معتقداتها الشخصية التي تميزها عن باقي المجموع فضلاً عن ولائها لهذه المجموعة، أي هي مسألة تتعلق بالمشاعر والإرادات.


 رابعا ً: من حيث الرأي: نستطيع القول بان مفهوم الأقلية لا ينطبق على أخوتنا بالدين(الشركس و الشيشان) و إخوتنا بالدم (المسيحيين)، وعليه لا يجوز تخصيص مقاعد في الحكومة لهم على هذا الأساس ، بل يخضعون كغيرهم من أفراد الشعب الأردني ، لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص المكفولين بموجب الدستور ، و للأسباب و المبررات التالية:


 1.أن إغفال الدستور لسنة 1952 لموضوع تمثيل الأقليات مقصودا لذاته ، و ينطوي على حكمة معينة، وهو استبدال مفهوم المواطنة بأي مفهوم آخر كالعرق و الدين ، فالمواطنة تصهر الفوارق الدينية والعرقية بين أفراد المجتمع ، وتجعل من التركيبة الاجتماعية تركيبة متجانسة ومنتمية للدولة، لذلك كان إغفال موضوع الأقليات في الدستور لسنة 1995 مقصوداً لذاته ، وليس مجرد سهو فالمشرع كما هو معروف منزه عن السهو.


 2. أن مفهوم الأقلية سواء باتجاهاته المختلفة ( العددي أو الموضوعي أو الشخص الذي سبق بيانه) لا ينطبق على مواطني الدولة من الأصول الشركسية والشيشانية أو من يدينون بالدين المسيحي ، فمعتقداتهم الشخصية مصونة ، وهناك العديد من النصوص الدستورية تحقق الغايات التي ترمي إلى تحقيقها الفكرة من إنشاء الأقلية، فالحريات الأساسية مكفولة كحرية العقيدة الدينية ، وحرية تكون الجمعيات ، وحرية التعليم، والحق بالعمل ، وقد سادت في العصر الحديث أفكار مثالية كفكرة التسامح الديني والعرقي، وطغت تلك الأفكار على كافة المجالات واستقرت في الضمير الإنساني، وكل ذلك مغلف في إطار جامع مانع بين جميع مواطني الدولة ألا وهو مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور، فالأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.


 3. تتنافى فكرة حجز الوظائف بشكل عام و الوظائف السياسية بشكل خاص مع خصائص النظام السياسي بالدولة ، فالوزير بمجرد تعيينه يخدم الأمة بأكملها – وهذا واضح من القسم الذي يؤديه أمام جلالة الملك قبل مباشرته لعمله وفقا لأحكام المادة (43) من الدستور- وليس منطقة أو جهة أو عشيرة .


4. يتعارض مبدأ تخصيص الوظائف مع مبدأ المساواة ومبدأ تكافؤ الفرص ، فهما من المبادئ المستقرة في الضمير الإنساني ، وهما الأساس الذي يحكم التعيين في الوظائف العامة ، وهما يؤديان بالنتيجة إلى عدم التمييز بين إفراد الفئة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية.


5. لقد أخذ المشرع الدستوري الأردني مبكرا بمفهوم مبدأ المساواة، حيث نصت المادة (5) من القانون الأساسي للمملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1928 على (( لا فرق في الحقوق أمام القانون بين الأردنيين ولو اختلفوا في العرق والدين واللغة )) وقد أكد المشرع الدستوري على هذا المبدأ مجددا في الدستور الحالي لسنة 1952 حيث تنص المادة (6/2) منه على ((الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين ))، و الوظيفة العاملة لم تعد منحه من الحكومة بل أصبح لكل أردني الحق في تولي الوظائف العامة بالشروط المعينة في القانون أو الأنظمة و التعيين في هذه الوظائف يكون على أساس الكفاءة و الجدارة وفقا لإحكام المادة (22) من الدستور الأردني لسنة 1952 .


فالمشرع الدستوري الأردني صاغ المساواة من ناحية قانونية خالصة، وفكرتها تدور حول أن يكون جميع أفراد المجتمع إزاء القانون في مركز واحد دون تفرقه أو استثناء سواء كان هذا القانون يقرر منفعة(المساواة في المنافع العامة) أو يفرض التزاما ( المساواة في تحمل التكاليف العامة)، وعليه، تعني المساواة أن يكون القانون عاما عمومية مطلقة حتى ينطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء، ولما كان من العسير أن يكون جميع أفراد المجتمع في مركز واحد حتى يكون القانون واحد بالنسبة للجميع ، لذلك قيل بأنه يمكن الاكتفاء بالمساواة النسبية التي تنطبق على مجموعة من أفراد المجتمع التي تتوافر الشروط التي يتطلبها القانون.


 أستاذ القانون الإداري والدستوري لمشارك كلية الحقوق
 - الجامعة الأردنية  Nofan_71@yahoo.com

شاهد أيضاً

phs

مدرسة الامير حمزة بن الحسين PHS

المدرسة تاريخ وحاضر و مستقبل مدرسة الأمير حمزة بن الحسين الثانوية الخاصة المختلطة، مدرسة غير ...