في حجم كل المستقبل (بانوراما 2011)

الحلقة الخامسة

كتبه : جانتي نور الدين 

التقيت في ربيع العام الماضي بشابة شركسية حضرت الى الوكالة للالتحاق بدورة صحفية نعقدها في مديرية التدريب ولكن هذه الصدفة لم تكن عادية وانما اخفت خلفها حكاية كبيرة ، ستظر خلال ايام من هذا اللقاء .
لم تكن لي معرفة مسبقة بتلك الشابة ولكن عندما علمت انها شركسية اعملتها بان تقول انها من اقربائي كي لا تتعرض لاي نوع من المضايقات ان وجدت ولتسهيل مهمتها في الوكالة .
بعد وكنت على وشك الدخول الى القاعة لاقدم محاضرتي عن الصحافة الالكترونية قالت لي تلك الفتاة “انها ستزور قرية كفار كما الاسرائيلية قريبا ” وبفضول سالتها “كيف ذلك ؟ ” فاجابت “انها رحلة جماعية ” ثم سألتها ” من المكتب السياحي الذي ينظمها ؟ ” فجاءني الجواب بان من ينظمها ليس مكتبا سياحيا وانما دعوة وهنا ايقنت ان الامر يستحق البحث ، قلت لها من الضروري بعد ان انهي المحاضرة ان تعلميني بالتفاصيل .
لم تمتك الشابة الكثير من الاجابات ولكن زودتني في عنوان بحثي للايام القادمة فاعملتني ان مجموعة ما التقت بعدد من الشابات والشباب الشراكسة دون عمر 20 عاما لترتيب زيارة الى كفر كما الاسرائيلية .
كان لا بد من المتابعة ولم احصل منها الا على اسم واحد وهو الشخص الذي التقاهم في احد مقاهي عمان الغربية .
اجريت عددا من الاتصالات فوصلت الى ان هنالك جمعية تعمل في التطبيع مع اسرائيل هي من تنظم الزيارة هذه وتمكنت من الوصول الى اسم رئيس هذه الجمعية ولكن كان علي مقابلته قبل اي شيئ .
بذات الوقت حصلت على اسماء بعض الذين تمت مقابلتهم حيث علمت انهم سيوتجهون الى السفارة الاسرائيلية لتعبئة طلبات الحصول على الفيزا وكنت قد اتصلت بالسفارة من خلال احد الاصدقاء فادهشني ان السفارة نفسها ليس لها علم بهذه الزيارة .
حصلنا على برنامج الزيارة من خلال احدى اولياء الامور الذي تربطني به علاقة شخصية وتلك ايضا صدفة جيدة وبعد التدقيق في البرنامج تاكد الشك بان هذه الزيارة وان غلفت بطابع قومي شركسي فانها ليست بريئة وفي النهاية هي زيارة تطبيعية للكيان الصهيوني ولكن لماذا الشراكسة ؟؟؟
وازيد هنا حتى اولياء الامور لم يساورهم الشك حول الزيارة وذلك لان البرنامج كان يستهدف التاثير على المشاعر القومية فالزيارة بعنوانها العريض زيارة لشباب شراكسة دون العشرين لشراكسة في كفار كما الاسرائيلية ، ان الموضوع مقبول تماما ولا غبار عليه .
اتصلت بصديقي العزيز الدكتور مولود رقيبات الذي تربطني معه علاقة قوية حيث يعمل رقيبات الان رئيسا لقسم الاعلام في جامعة جدارة وقبلها عمل رئيسا لذات القسم في جامعة الشرق الاوسط وكان ملحقا ثقافيا في اوكرانيا لسنوات طويلة اضافة الى انه صحفي في “بترا ” وكاتب مقال سياسي في عدد من الصحف ويقدم الان مقالاته في صحيفة الراي ويمتلك علاقات مع العديد من الشخصيات الشركسية.
طلبت من رقيبات ايصالي بسرعة الى رئيس الجمعية وترتيب موعد معه وكعادته لم يخذلني حيث تمكن من الوصول اليه وقمنا بالالتقاء بهذا لشاب في احدى المقاهي وكان بمعيته بعض من اصدقائه ، انهيت وجبة السباحة اليومية وذهبت انا ومولود الى اللقاء الموعود .
عرفته بنفسي كصحفي في الوكالة ومن اصول شركسية وكان الان بعد نصف ساعة من التعارف وتبادل اطراف الحديث ان اعلم حقيقة هذه الزيارة ، فحدثني عنها وعلمت انها زيارة ممولة من الحكومة الفرنسية للجمعيات التي تقيم علاقات تطبيعية مع اسرائيل .
كانت الزيارة برعاية وزارة الخارجية الاسرائيلية من خلال هذه الجمعية وتستهدف الاقليات العرقية في الاردن حيث نظمت للدروز في سنوات سابقة وكانت الزيارة المغلفة بطابع قومي هي عبارة عن سلسلة من الزيارات تنتهي في باريس للتوقيع على جدارية لتعزيز السلام ( ساقوم بنشر برنامج الزيارة في وقت لاحق ) .
عرض علي صديقي الجديد ان اكون على رأس الوفد التطبيعي ربما كنوع من الاسترضاء لانني اعملته باستيائي من استهداف الشراكسة خاصة المراهقين واستغلال مشاعرهم القومية وعلمت منه جميع نقاط الاتصال التي ينسق من خلالها الزيارة خاصة من اولياء الامور .
واشير ان الزيارة كانت بالتعاون مع بلدية كفار كما الاسرائيلية ولتعذرونني فانا اعلم ان سكان هذه القرية من الشراكسة ولكن في النهاية كفار كما هي قرية تتبع الدولة العبرية وان كانت تربطنا بسكانها علاقات قربى ودم ولكن بصفتي مسلما اردنيا ارفض التواصل بهذه الطريقة فلا مانع من الزيارات الفردية اما الزيارات التطبيعية التي تستغل المشاعر القومية فهي مرفوضة تماما .
اعلمت صديقي الجديد برفضي لهذه الزيارة وانها تسيئ الى الشراكسة المعروفين بانتمائهم للاردن ، واذكر ان برنامج الزيارة يشتمل على لقاءات في القدس الغربية وغيرها من المدن الاسرائيلية ولمعرفتي المسبقة من خلال عملي كاعلامي كان من السهولة منذ البداية العلم انها زيارة تطبيعية من الطراز الرفيع .
واجهت تحديا فيجب ان اقوم بالغاء هذه الزيارة وحماية هؤلاء الشباب من تهمة التطبيع فكما تعلمون لو تمت الزيارة وتسرب خبر الى وسائل الاعلام لاصبحنا كعشيرة متهمين بهذه التهمة وليس فقط هؤلاء الفتية الذي سيتضرر مستقبلهم فيما بعد ومضايقتهم عند محاولة العمل في الاجهزة الحكومية .
اتصلت بعدد من اولياء الامور واطلعتهم على حقيقة الموضوع لمنع ابناءهم من الاستمرار وفعلا حدثت انسحابات كثيرة ولكن للاسف اصر البعض على اتمام الزيارة وذهبوا الى القنصلية الاسرائيلية ولكن بذات الوقت واجه المنظمون نقصا في العدد مما عطل الامور حتى نقوم باجراء اخر لوقف هذه الزيارة المشؤومة .
الحكومة الاردنية لا تمنع هذه الزيارات ولكن تراقبها فلا توجد وسيلة قانونية لمنع احد من المشاركة فكان الاعلام هو الحل وبعد تفكير قمت ببث خبر على موقع كل الاردن الالكتروني بعنوان ” الشراكسة يرفضون التطبيع مع العدو الصهيوني ” الامر الذي ولد ضغطا كبيرا على منظمي الزيارة وعلى كل من يرغب بها .
الخبر الذي تم بثه كان بمثابة حيلة لمنع الزيارة فازدادت الانسحابات والان بعد خبر كهذا فان كل من سيقوم بالزيارة سيتعرض للهجوم منفردا فنحن كعشيرة رفضنا التطبيع والقرار الان فردي ، فكان لا بد توليد ضغط غير مباشر على كل تعنت برأيه .
بعد ايام اعلمني صديقي الجديد بان الزيارة الغيت لعدم توفر النصاب الكافي لكثرة الانسحابات وصديقي الجديد لا يعلم انني من قمت بذلك ولكن بعد ذلك بفترة اعملته انني كنت مضطرا لحماية هؤلاء الشباب وايضا عدم زج عشيرتنا الشركسية بمتاهات التطبيع وعدم استغلالنا كاقلية .
البرنامج المعد كان يستهدف الاقليات العرقية وهذا امر خطير فنحن كشراكسة لسنا اقلية عرقية في الاردن وانما مكون من المجتمع الاردني وعشيرة اردنية وعلينا ان نعي ذلك فلسنا اقلية مسجلة في الامم المتحدة وانما مواطنون لنا كامل الحقوق فلسنا كاخوتنا في اسرائيل مجرد اقلية عرقية في دولة عبرية عنصرية بغيضة .
وللتذكير فان العدو الاسرائيلي ابادا قرى شركسية بمن فيها عن بكرة ابيها في الجولان ويمكن العودة بذلك الى كتاب اخي عدنان مذهب عن الشهداء الشراكسة .
ان توقيع معاهدة سلام وانهاء حالة الحرب بين الاردن واسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي امر سياسي بين دولتين ولكن هذا لا يعني باي حال من الاحوال التعايش والعيش المشترك فمعاهدة وادي عربة هي تجميد للصراع فقط وانهاء حالة الحرب وبتعريف بسيط فالدبلوماسية هي ادارة الصراع ولكن بطرق سلمية وليست عسكرية فالصراع قائم ولكن يدار بالادوات الدبلوماسية التي نصت عليها اتفاقية فيينا والمواثيق الدولية .
خلال اللقاء مع منظمي البرنامج كان اكثر ما ازعجني هو موقف الجمعية ، فقد زار هذا الصديق الجديد ا في وقت سابق الجمعية والتقى باحد اعضاء الادارة وقدم كتابا رسميا ورفضت الجمعية البرنامج وهذا امر جيد ولكن الامر المؤسف ان الجمعية لم تدرك الابعاد الخطيرة وراء الدعوة ولم تتابع الموضوع بعد ذلك فلجأ المنظمون الى الاتصال المباشر مع بعض الاهداف .
كان الاجدر بالجمعية احتواء الموضوع منذ بدايته وما كان يجب ان تتترك الامر يسير بهذا الاتجاه وهنا اقول ان ذلك السوء كان بجهالة نعم بجهالة شديدة ، فتركت الجمعية الموضوع وابعدته ولكن بذات الوقت لم تعلم خفايا الدعوة لوقف جمعية التطبيع من الاتصال باهداف فردية .
عند جلوس اي منا في موقع للمسؤولية عليه ان يكون بقدر هذه المسؤولية وان يمتلك بعد نظر والا لماذا هي المؤسسات ان لن تستطيع خدمة العشيرة واحيانا حماية شبابنا من الوقوع في شرك كهذا !!!
وكانت الجمعية في وقت سابق قد ارتكبت خطأ سياسيا كبيرا اثناء تنظيمها لحفل استقبال عدد من الوزراء مطلع العام 2011 ايضا حيث تم تقديم درع لشركسي يحمل الجنسية الاسرائيلية ( من كفار كما ) ولحسن الحظ لم يتواجد صحفيون يومها والا لحدث ما لم يمكن التكهن بنتائجه وقمنا بكتمان الامر .
لكن هذا الحفل من ناحية اخرى ايضا كان شرارة فجرت خلافات كبيرة بين ابناء العشيرة بسبب خبر قمت بثثه من خلال ” بترا ” وحقيقة اعتبره بداية بروز الخلافات على السطح بعد ان كانت كامنة في الصدور ، وسآتي على ذلك تفصيلا في الحلقة القادمة المثيرة .
كان لقائي بتلك الشابة التي حضرت للالتحاق بدورة صحفية صدفة ولكنها كانت صدفة خير وتقدير من رب العالمين لمنع زيارة تطبيعية الى الكيان الصهيوني في الوقت الذي كان الشارع الاردني يغلي بسبب الربيع العربي الذي ما هو الا كحجارة الدومينو لا يمكن ايقافه ولكن من الممكن الحد من تاثيره .
تعلمت من عملي الاعلامي والسياسي ان احاول ما استطعت ان استثمر المواقف المختلفة ايجابيا وان كانت سلبية بداية ، خرجنا من ذلك الموقف السلبي باننا عشيرة اردنية نرفض التطبيع مع العدو الصهيوني فكانت التعليقات التي تابعتها من خلال المواقع تثير الفخر والاعتزاز .
فالموقف السلبي الذي كان قد يقودنا الى ما لاتحمد عقباه اصبح بطولة وشجاعة وموقف لن ينسى ، فالشراكسة رفضوا التطبيع مع العدو الصهيوني وتسطيعون الان البحث في شبكة الانترنت عن حيثيات هذه القضية التي ارقتني ومن معي لبعض الوقت ولكن بحمد الله كانت النهاية ايجابية جدا .
ولا انكر ان لاولياء الامور كان دور كبير في منع هذه الزيارة وذلك لسعة وعيهم ووطنيتهم وانتمائهم لثرى هذا الوطن الغالي الذي احتضننا وجعلنا مواطنين من الدرجة الاولى فيكفينا فخرا ان الحرس الذي يقف الى جانب سيد قريش وملك بني هاشم هم من الشراكسة بزيهم الفلكلوري .
وعذرا لانني لم اصرح باسماء شخصيات هذا الحدث لحساسية الموضوع وشكرا لكل من ساهم معي في وقف تهمة تطبيعية كانت ستنال منا الى اجل غير مسمى وشكرا لتلك الشابة الشركسية التي حضرت لتلقي دروسا في الصحافة فقدمت لنا كعشيرة الكثير بتعاونها وغيرتها على ابناء قومها ووطنها .

وارفق الخبر للتوثيق :

الشراكسة يرفضون برامج ” اسرائيلية ” تستهدف الاقليات
الاحد 13 اذار 2011

رفضت عائلات اردنية من اصول شركسية مشاركة ابنائها في رحلة تطبيعية الى اسرائيل تحت مسمى التبادل الشبابي الشركسي بين بلدية كفر كما الاسرائيلية والاردن .
وبحسب اولياء الامور فان دعوات وجهت الى ابنائهم لزيارة بلدية كفر كما الاسرائيلية التي يقطنها الشراكسة من قبل احدى الجمعيات الشبابية الاردنية ولكن عند النظر الى البرنامج المعد للرحلة التي تستغرق اسبوعا فانه تضمن زيارات الى مدن اسرائيلية منها تل ابيب ويافا وغيرها .
واضافوا انه تم ارسال تحذير من خلال موقع التبادل الاجتماعي الفيس بوك ومن خلال الاتصال المباشر مع العديد من الاسر الشركسية لمنع ابنائهم من المشاركة في الرحلة التي من المقرر ان تقام خلال الفترة من 10 – 16 نيسان المقبل .
وبحسب برنامج الرحلة فانها تستهدف الشباب دون العشرين عاما تنظمها وزارة الخارجية الاسرائيلية بالتعاون مع منظمات دولية غير حكومية ,بالتنسيق مع جمعيات شبابية اردنية .
وتهدف الرحلة الى خلق جو من العلاقات الوديه بين الشباب و اكساب المشاركين مهارات في القياده و الاعتماد على الذات و ادارة الوقت وفريق العمل و تنمية المواهب الفنيه المختلفة والتحفيز الى الابدا
ويشتمل البرنامج على اعداد جدارية من قبل المجموعات المشاركة تؤكد على السلام بين الشعوب حيث سيتم نقلها الى دول اخرى لاحقا .

الى ذلك اعلن الاردنيون من الاصول الشركسية رفضهم التطبيع مع العدو الصهيوني تحت اي مسمى .

شاهد أيضاً

phs

مدرسة الامير حمزة بن الحسين PHS

المدرسة تاريخ وحاضر و مستقبل مدرسة الأمير حمزة بن الحسين الثانوية الخاصة المختلطة، مدرسة غير ...